أحمد الشرباصي
56
موسوعة اخلاق القرآن
فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفح . ولنلاحظ أن الآية الكريمة السابقة قد قالت : « فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا » ولم تقل « فاعفوا واصفحوا عنهم » وذلك لإرادة عموم العفو والصفح - والله أعلم بمراده - أي عاملوا جميع الناس بالعفو والصفح ، فان هذا هو اللائق بشأن المؤمنين المتقين ، ما لم يكن ذلك على حساب الدين أو كرامة المسلمين . وقد يقال : كيف يأمر الله تعالى المسلمين بالعفو والصفح عن أهل الكتاب وقد كان المسلمون يومئذ قلة ؟ . ويتولى الأستاذ الإمام محمد عبده الرد على هذه الشبهة ، فيقول : « في أمره تعالى لهم بالعفو والصفح إشارة إلى أن المؤمنين على قلتهم هم أصحاب القدرة والشوكة ، لأن الصفح انما يطلب من القادر على خلافه ، كأنه يقول : لا يغرنكم أيها المؤمنون كثرة أهل الكتاب مع باطلهم ، فإنكم على قلتكم أقوى منهم بما أنتم عليه من الحق ، فعاملوهم معاملة القوي العادل للقوي الجاهل . وفي انزال المؤمنين على ضعفهم منزل الأقوياء ، ووضع أهل الكتاب على كثرتهم موضع الضعفاء ، ايذانا بأن أهل الحق هم المؤيدون بالعناية الإلهية ، وأن العزة لهم ما ثبتوا على حقهم ، ومهما يتصارع الحق والباطل فان الحق هو الذي يصرع الباطل » . * * * ويقول الله عز وجل في سورة المائدة : « فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ، فَاعْفُ